الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
303
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
[ مسألة 14 ] : في أكبر الزهد يقول الإمام أبو حامد الغزالي : « أكبر زهد لك : إذا أردت الطريق الأوفر والنصيب الأكبر ، هو الإيقاع بين النفس الطاهرة والجسد الترابي بهجر الشهوات واللذات » « 1 » . [ مسألة 15 ] : في متعلقات الزهد يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره : « الزهد إنما متعلقه الأولوية بخلاف الورع وكل ترك ، فأما الأولوية فينظر في الموطن ويعمل بمقتضاه ، ومقتضاه قد عينه له الحق بما أعلمه به بلسان الشارع ، فسموا من طريق الأخذ بالأولوية : زهاداً حيث أخذوا بها ، فإن لهم تناول ذلك في الحياة الدنيا فما فعلوا ، لأن الله خيرهم فما أوجبه عليهم ولا ندبهم إليه ولا حجر عليهم ولا كرهه فاعلم ذلك . ثم أنه ينظر في هذا المخير فيه فلا يخلو حاله في تناوله أن يحول بينه هذا التناول وبين المقام الأعلى الذي رجحه له أو لا يحول ، فإن حال بينه وبينه تعين عليه بحكم العقل الصحيح السليم تركه والزهد فيه . وإن كان على بينة من ربه إن ذلك لا يقدح ولا يحول بينه وبين المرتبة العليا من ذلك فلا فائدة لتركه ، كما قال لنبيه سليمان عليه السلام . ولا تكون ممن تلبس عليه الأمور فيتخيل إنه بزهده فيما هو حق لشخص ما من رعيته ينال حفظ ما يطلبه به منه شخص آخر من رعيته ، فإن ذلك عين الجهل ، فإن تلك الحقيقة تقول له ما هذا عين الحق لي . فالأولى بالعبد الذي كلفه الله تدبير نفسه وولاه أن يعلم ، فإذا علم استعمله علمه . حتى يكون بحكم علمه . ولا يستعمل هو العلم فإنه إن استعمل علمه كان علمه بحكمه فوقتاً يعمل به ووقتاً يتركه ، أي : يترك العمل به ، وما عمل الترك إلا بالعلم . وإذا كان العلم يستعمله ويصرفه ويكون هو معمولًا لا مستعملًا للعلم حكم عليه جبراً على الصواب ، فوفى الحقوق أربابها ، ومثل هذا الإمام في العالم قليل » « 2 » .
--> ( 1 ) - الإمام الغزالي سر العالمين وكشف ما في الدارين ص 195 . ( 2 ) - الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية ج 4 ص 113 .